عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

103

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

التشبيه ، فتحدّه وتقيّده بذلك المعنى ؛ فالتنزيه تحديد وتقييد . والتشبيه تثنية المشبّه ، لأنك إذا قلت « هو كذا وكذا » على التقييد بصورة واحدة دون غيرها ، فقد أشركته مع تلك الصورة في معنى واحد ؛ وهذا هو عين التثنية . فكلا الأمرين على انفرادهما ، خطأ ؛ والصواب جمعهما بحيث أن تنزّهه في عين التشبيه ، وتشبّهه في حكم التنزيه . وإلى هذا أشار ونبّه بقوله : فيا ولدي . يخاطب تلميذه بدر الحبشي بقوله ، ليسمع غيره : تنبّه وتفكّر فيمن نزّه وشبّه . يعني : تأمّل فيمن جمع بين الوصفين ؛ هل حاد عن سواء السبيل ؟ كلمات الاستفهام إذا صدرت عن العارف بما يستفهم عنه ، تكون إما نفيا وإما إثباتا ؛ لأن المتكلّم يعرف المعنى ، فلا فائدة للاستفهام . و « هل » هنا بمعنى النفي ، يعني : أن كل من جمع بين التشبيه والتنزيه ، ما حاد عن سواء السبيل . أي ، ما مال عن طريق اللّه ، الذي هو صراط اللّه في نفسه . وذلك هو المعبّر عنه بتجليات ذاته في حقائق أسمائه وصفاته ؛ فما حاد عن ذلك ، من كان على هذا الوصف ؛ لأنه عرفه على ما هو الأمر عليه . وهل هو من علمه في ظلّ ظليل . ولفظة « هل » هنا بمعنى الإثبات ، وتقديره : نعم هو من علمه أن الحقّ هو المنزّه في التشبيه والمشبّه في التنزيه ، في ظلّ . يعني : في ستر مانع ، مستور بصفات الحق عن صفات الخلق ؛ ولهذا كان ظلّه ظليلا ، وإلى هذا أشار القائل ، بقوله : تستّرت في دهري بظلّ جناحه * فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيّام ما اسمي ما درت * وعن موضعي لم تدر أين مكاني « 1 » فمن هو بهذه الصفة على التحقيق : هو في خير مستقر وأحسن مقيل . لأنه يتنعّم بتجليات ربّه بين الصورة والعروج والمعنى . فلا يخرج عنها بوجه من الوجوه ، بل يجدها في كل حال من الغيبة والحضور ، والنزول والصعود ، والعروج والهبوط ؛ على اختلاف الظهور ، فأمره نور على نور . ولما فرغ الشيخ من تعريف حال من له الجمع ، رجع إلى تعريف حال من له الفرق ، ليميّز بينهما . فقال : المنزّه يخلي ، بالخاء المعجمة ، يعني : يخلّي الحق عن

--> ( 1 ) هذان البيتان هما للشاعر العباسي أبي نواس الحسن بن هانىء بن عبد الأول بن صباح الحكمي ولد في الأهواز سنة 146 ونشى في البصرة ، وتوفي في بغداد سنة 198 ه . والبيتان من البحر الطويل ، وتفعيلته : طويل له دون البحور فضائل * فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن